محمد ابو زهره

577

خاتم النبيين ( ص )

وإنه يتبين من هذا الكلام أنه بعد أن أظهر اللّه سبحانه وتعالى قوة المسلمين وأعلى كلمة الدين ، صار الذين يخالفونه ، ويعاشرون المؤمنين بالجوار على ثلاثة أقسام : أولهم الذين نطقوا بكلمة الإسلام والكفر يسكن قلوبهم ، ويستولى عليها وهؤلاء هم الذين قال اللّه سبحانه وتعالى فيهم وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ، إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ . اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ، وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( البقرة - 14 ، 15 ) فهؤلاء بقوا على كفرهم ، وأمد اللّه تعالى في طغيانهم ، لأن مظهرهم كان غير مخبرهم ، وقد استمرؤا ذلك حتى زادوا عتوا وفسادا . والقسم الثاني قوم ضعفت نفوسهم ، وانحل تفكيرهم ، فهم منافقون ، في إظهارهم الإسلام ، ولا عقيدة لهم يؤمنون بها ، وإن كانوا إلى عقيدتهم الأولى أميل ، ولكن قد انحلت بالتعارض ، بين ما يظهرون وما يبطنون ، فقد خدعوا المؤمنين وأوغلوا في الخديعة ، حتى خدعوا أنفسهم ، وهم الذين قال اللّه سبحانه وتعالى فيهم : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ ، لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ ، وقد وصف النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم هذا النوع من المنافقين بقوله عليه الصلاة والسلام : « مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين غنمين لا تدرى إلى أيهما تذهب » . والقسم الثالث وهم أكثر اليهود الذين ثبتوا على دينهم من بنى قينقاع ، وبنى النضير ، وبني قريظة وبنى الحارث ، وأولئك ثبت أكثرهم على اعتقادهم وجاهدوا بالبقاء عليه ، والاعتراض الديني على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ولكنهم نافقوا في أنهم لم يخلصوا في العهد الذين عاهدهم عليه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، بل يخفون الخيانة ، ويتربصون بالمسلمين الدوائر ، ويكاتبون أعداء النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ويحرضونهم عليه ، ويسرفون على أنفسهم ، فينافقون المشركين ، ويقولون إن ما هم عليه من شرك خير مما يدعو إليه النبي من توحيد . وفي الجملة ظهر النفاق بعد النصر المحمدي من أعداء هذا الدين . ولنخص اليهود ، ومن والاهم بكلمة موجزة موضحة : اليهود 393 - عقد النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم حلفا مع اليهود ، جعل فيه له ما لهم ، وعليه ما عليهم ، وتعاهد معهم على البر والتقوى ، لا على التعاون على الإثم ، وأنهم في أحيائهم متعاونون على دفع الإثم ، وعقل الجاني الذي يجب عليه الدية ، وفي الجملة أعطاهم الحرية والحماية ، وعقد معهم جماعة ،